ابن خلكان
32
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وأحسنهم شعرا ، فقال عمر رضي اللّه عنه : عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذنّ من شعرك ، فأخذ من شعره فخرج له وجنتان كأنهما شقّتا قمر ، فقال : اعتم ، فاعتم ففتن الناس بعينيه ، فقال عمر رضي اللّه عنه : واللّه لا تساكنني ببلدة أنا فيها ، قال : يا أمير المؤمنين ، ما ذنبي ؟ قال : هو ما أقول لك ، وسيّره إلى البصرة ؛ هذه خلاصة القصة ، وبقيتها لا حاجة إلى ذكره . ونصر المذكور ابن حجاج بن علاط السلمي ، وأبوه صحابي رضي اللّه عنه ، وقيل : إن المتمنية هي جدة الحجاج أم أبيه ، وهي كنانية . وحكى أبو أحمد العسكري في كتاب « التصحيف » « 1 » أن الناس غبروا يقرؤون في مصحف عثمان بن عفان رضي اللّه عنه نيّفا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان ، ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق ، ففزع الحجّاج بن يوسف الثقفي إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات ، فيقال : إن نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادا وأزواجا وخالف بين أماكنها ، فغبر الناس بذلك زمانا لا يكتبون إلا منقوطا ، فكان مع استعمال النقط أيضا يقع التصحيف ، فأحدثوا الإعجام ، فكانوا يتبعون النقط الإعجام ، فإذا أغفل الاستقصاء عن الكلمة فلم توفّ حقوقها اعترى التصحيف ، فالتمسوا جيلة ، فلم يقدروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال بالتلقين . [ حكى القاضي أبو الفرج المعافى في كتاب « الجليس والأنيس » قال : لما أراد الحجاج بن يوسف الخروج من البصرة إلى مكة شرّفها اللّه تعالى خطب الناس فقال : يا أهل البصرة ، إني أريد الخروج إلى مكة ، وقد استخلفت عليكم محمدا ابني وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الأنصار ، فإنه أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ، ألا وإني قد أوصيته فيكم أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم ؛ ألا وإنكم قائلون بعدي كلمة ليس يمنعكم من إظهارها إلا الخوف : لا أحسن اللّه له الصحابة ، واني معجّل لكم الجواب : لا أحسن اللّه عليكم الخلافة ] « 2 » .
--> ( 1 ) التصحيف : 13 . ( 2 ) هذه الفقرة من ص ر .